فصل: تفسير الآية رقم (1):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (85-86):

{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ}.
قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ بِكَثْرَةٍ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} الْآيَةَ [19/ 41- 42].

.تفسير الآيات (99-107):

{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}.
اعْلَمْ أَوَّلًا: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَنَامِ بِذَبْحِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُمَّ لَمَّا بَاشَرَ عَمَلَ ذَبْحِهِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ، فَدَاهُ اللَّهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، هَلْ هُوَ إِسْمَاعِيلُ أَوْ إِسْحَاقُ؟ وَقَدْ وَعَدْنَا فِي سُورَةِ الْحِجْرِ، بِأَنَّا نُوَضِّحُ ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ، وَهَذَا وَقْتُ إِنْجَازِ الْوَعْدِ.
اعْلَمْ، وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ، أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ قَدْ دَلَّ فِي مَوْضِعَيْنِ، عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ لَا إِسْحَاقَ. أَحَدِهِمَا فِي الصَّافَّاتِ، وَالثَّانِي فِي هُودٍ.
أَمَّا دَلَالَةُ آيَاتِ الصَّافَّاتِ عَلَى ذَلِكَ، فَهِيَ وَاضِحَةٌ جِدًّا مِنْ سِيَاقِ الْآيَاتِ، وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ عَنْ نَبِيِّهِ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [37/ 99- 110]، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ عَاطِفًا عَلَى الْبِشَارَةِ الْأُولَى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [37/ 112]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْبِشَارَةَ الْأُولَى شَيْءٌ غَيْرُ الْمُبَشَّرِ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: فَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ، ثُمَّ بَعْدَ انْتِهَاءِ قِصَّةِ ذَبْحِهِ يَقُولُ أَيْضًا: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ} فَهُوَ تَكْرَارٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَهُوَ وَاضِحٌ فِي أَنَّ الْغُلَامَ الْمُبَشَّرَ بِهِ أَوَّلًا الَّذِي فُدِيَ بِالذَّبْحِ الْعَظِيمِ، هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنَّ الْبِشَارَةَ بِإِسْحَاقَ نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا مُسْتَقِلَّةً بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} الْآيَةَ [16/ 97]، أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ: أَنْ النَّصَّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا احْتَمَلَ التَّأْسِيسَ وَالتَّأْكِيدَ مَعًا وَجَبَ حَمَلُهُ عَلَى التَّأْسِيسِ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى التَّأْكِيدِ، إِلَّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ.
وَمَعْلُومٌ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، أَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَآيَةُ الصَّافَّاتِ هَذِهِ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِلْمُنْصِفِ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ لَا إِسْحَاقُ، وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا بِأَنَّ الْمَوَاضِعَ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا إِسْحَاقُ يَقِينًا عُبِّرَ عَنْهُ فِي كُلِّهَا بِالْعِلْمِ لَا الْحِلْمِ، وَهَذَا الْغُلَامُ الذَّبِيحُ وَصَفَهُ بِالْحِلْمِ لَا الْعِلْمِ.
وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّانِي الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ فِي سُورَةِ هُودٍ، فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [11/ 71]؛ لِأَنَّ رُسُلَ اللَّهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بَشَّرَتْهَا بِإِسْحَاقَ، وَأَنَّ إِسْحَاقَ يَلِدُ يَعْقُوبَ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يُؤْمَرَ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِهِ، وَهُوَ صَغِيرٌ، وَهُوَ عِنْدَهُ عِلْمٌ يَقِينٌ بِأَنَّهُ يَعِيشُ حَتَّى يَلِدَ يَعْقُوبَ.
فَهَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُنْصِفِ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ دَلَالَةِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ:
اعْلَمْ أَنَّ قِصَّةَ الذَّبِيحِ هَذِهِ تُؤَيِّدُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ فِي حِكْمَةِ التَّكْلِيفِ، هَلْ هِيَ لِلِامْتِثَالِ فَقَطْ، أَوْ هِيَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الِامْتِثَالِ وَالِابْتِلَاءِ؟ لِأَنَّهُ بَيِّنٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ حِكْمَةَ تَكْلِيفِهِ لِإِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِهِ وَلَدَهُ لَيْسَتْ هِيَ امْتِثَالُهُ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذَبْحُهُ كَوْنًا وَقَدَرًا، وَإِنَّمَا حِكْمَةُ تَكْلِيفِهِ بِذَلِكَ مُجَرَّدُ الِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ، هَلْ يُصَمِّمُ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [37/ 106- 107]، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ حِكْمَةَ التَّكْلِيفِ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الِامْتِثَالِ وَالِابْتِلَاءِ. وَإِلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ أَشَارَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ، بِقَوْلِهِ:
لِلِامْتِثَالِ كَلَّفَ الرَّقِيبُ ** فَمُوجِبٌ تَمَكُّنًا مُصِيبُ

أَوْ بَيْنَهُ وَالِابْتِلَا تَرَدَّدَا ** شَرْطُ تَمَكُّنٍ عَلَيْهِ انْفَقَدَا

وَقَدْ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فَمُوجِبٌ تَمَكُّنًا مُصِيبُ، وَقَوْلُهُ: شَرْطُ تَمَكُّنٍ عَلَيْهِ انْفَقَدَا، إِلَى أَنَّ شَرْطَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْفِعْلِ فِي التَّكْلِيفِ، مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، فَمَنْ قَالَ: إِنِ الْحِكْمَةَ فِي التَّكْلِيفِ هِيَ الِامْتِثَالُ فَقَطِ اشْتَرَطَ فِي التَّكْلِيفِ التَّمَكُّنَ مِنَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا امْتِثَالَ إِلَّا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْفِعْلِ، وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْحِكْمَةَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الِامْتِثَالِ وَالِابْتِلَاءِ، لَمْ يَشْتَرِطْ مِنَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ الِابْتِلَاءِ تَتَحَقَّقُ مَعَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنَ الْفِعْلِ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَمِنَ الْفُرُوعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَنْ تَعْلَمَ الْمَرْأَةُ بِالْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ أَنَّهَا تَحِيضُ بَعْدَ الظُّهْرِ غَدًا مِنْ نَهَارِ رَمَضَانَ، ثُمَّ حَصَلَ لَهَا الْحَيْضُ بِالْفِعْلِ، فَتُصْبِحُ مُفْطِرَةٌ قَبْلَ إِتْيَانِ الْحَيْضِ، فَعَلَى أَنَّ حِكْمَةَ التَّكْلِيفِ الِامْتِثَالُ فَقَطْ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَلَهَا أَنْ تُفْطِرَ؛ لِأَنَّهَا عَالِمَةٌ بِأَنَّهَا لَا تَتَمَكَّنُ مِنَ الِامْتِثَالِ، وَعَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ تَارَةً تَكُونُ الِامْتِثَالَ، وَتَارَةً تَكُونُ الِابْتِلَاءَ، فَإِنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا تَبْيِيتُ الصَّوْمِ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْإِفْطَارُ إلَّا بَعْدَ مَجِيءِ الْحَيْضِ بِالْفِعْلِ، وَإِنْ أَفْطَرَتْ قَبْلَهُ كَفَّرَتْ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَفْطَرَ لِحُمَّى تُصِيبُهُ غَدًا، وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ بِالْعَادَةِ، فَهُوَ أَيْضًا يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ.

.تفسير الآية رقم (113):

{وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ}. قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [2/ 124].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ}.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا مِنَّتَهُ عَلَيْهِمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ فِي طه: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} [20/ 36- 37]؛ لِأَنَّ مِنْ سُؤْلِهِ الَّذِي أُوتِيَهُ إِجَابَةَ دَعْوَتِهِ فِي رِسَالَةِ أَخِيهِ هَارُونَ مَعَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرِّسَالَةَ مِنْ أَعْظَمَ الْمِنَنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}. قَوْلُهُ: {وَقَوْمَهُمَا} يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ نَجَّى مُوسَى وَهَارُونَ وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ مَا كَانَ يَسُومُهُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنَ الْعَذَابِ، كَذَبْحِ الذُّكُورِ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَإِهَانَةِ الْإِنَاثِ، وَكَيْفِيَّةِ إِنْجَائِهِ لَهُمْ مُبَيَّنَةٌ فِي انْفِلَاقِ الْبَحْرِ لَهُمْ، حَتَّى خَاضُوهُ سَالِمِينَ، وَإِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِهَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [2/ 50]، وَقَدَّمْنَا تَفْسِيرَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [21/ 76].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ}. بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا أَنَّهُ نَصَرَ مُوسَى وَهَارُونَ وَقَوْمَهُمَا عَلَى فِرْعَوْنِ وَجُنُودِهِ، فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ، أَيْ: وَفِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ هُمُ الْمَغْلُوبُونَ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ أَهْلَكَهُمْ جَمِيعًا بِالْغَرَقِ، وَأَنْجَى مُوسَى وَهَارُونَ وَقَوْمَهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْهَلَاكِ، وَفِي ذَلِكَ نَصْرٌ عَظِيمٌ لَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [28/ 35]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ}. الْكِتَابُ هُوَ التَّوْرَاةُ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [6/ 154]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [23/ 49]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [21/ 48]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} الْآيَةَ [2/ 53].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} [15/ 76]. وَفِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [5/ 32]، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ.

.تفسير الآيات (143-144):

{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. تَسْبِيحُ يُونُسَ هَذَا، عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَذْكُورُ فِي الصَّافَّاتِ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي الْأَنْبِيَاءِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [21/ 87- 88].
وَقَدْ قَدَّمْنَا تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَإِيضَاحَهَا فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}. مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِ يُونُسَ وَأَنَّ اللَّهَ مَتَّعَهُمْ إِلَى حِينٍ، ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي سُورَةِ يُونُسَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [10/ 98].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} إِلَى قَوْلِهِ: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ بِكَثْرَةٍ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [16/ 57- 59].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}. قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} الْآيَةَ [6/ 157].

.تفسير الآيات (171-173):

{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَأَتْبَاعُهُمْ مَنْصُورُونَ دَائِمًا عَلَى الْأَعْدَاءِ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، وَمَنْ أُمِرَ مِنْهُمْ بِالْجِهَادِ مَنْصُورٌ أَيْضًا بِالسَّيْفِ وَالسِّنَّانِ، وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [58/ 21]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [40/ 51]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [30/ 47]،
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [14/ 13- 14].
وَقَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَ هَذَا بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} الْآيَةَ [3/ 146]، وَسَيَأْتِي لَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ فِي آخِرِ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ}. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} [13/ 6]. وَذَكَرْنَا بَعْضَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ يُونُسَ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} الْآيَةَ [10/ 15]، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ.

.تفسير الآية رقم (181):

{وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ الْكَرِيمَةَ بِالسَّلَامِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى مَعَ ثَنَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [37/ 182]، مُعَلَّمًا خَلْقَهُ أَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ حَمْدِهِ هَذَا الْحَمْدَ الْعَظِيمَ، وَالسَّلَامَ عَلَى رُسُلِهِ الْكِرَامِ، ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} الْآيَةَ [27/ 59]، وَيُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [10/ 10].

.سُورَةُ ص:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

.تفسير الآية رقم (1):

{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ: ص بِالسُّكُونِ مِنْهُمُ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ص مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ كَ: ص فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {المص} وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كهيعص} [19/ 1].
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ مُسْتَوْفًى عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَبِذَلِكَ التَّحْقِيقِ الْمَذْكُورِ، تَعْلَمُ أَنَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ص بِكَسْرِ الدَّالِّ غَيْرِ مُنَوَّنَةٍ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِكَسْرِ الدَّالِّ مُنَوَّنَةً، وَمَنْ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الدَّالِّ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِضَمِّهَا غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ، كُلُّهَا قِرَاءَاتٌ شَاذَّةٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ تَفَاسِيرُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى تِلْكَ الْقِرَاءَاتِ، فَإِنَّهَا لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا أَيْضًا.
كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ صَادِ بِكَسْرِ الدَّالِّ فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ صَادَى يُصَادِي مُصَادَاةً إِذَا عَارَضَ، وَمِنْهُ الصَّدَى. وَهُوَ مَا يُعَارِضُ الصَّوْتَ فِي الْأَمَاكِنِ الصُّلْبَةِ الْخَالِيَةِ مِنَ الْأَجْسَامِ، أَيْ عَارِضْ بِعَمَلِكَ الْقُرْآنَ وَقَابِلْهُ بِهِ، يَعْنِي امْتَثِلْ أَوَامِرَهُ وَاجْتَنِبْ نَوَاهِيَهُ وَاعْتَقِدْ عَقَائِدَهُ وَاعْتَبِرْ بِأَمْثَالِهِ وَاتَّعَظْ بِمَوَاعِظِهِ.
وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّ ص بِمَعْنَى حَادِثٍ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ.
وَقِرَاءَةُ ص بِكَسْرِ الدَّالِّ غَيْرُ مُنَوَّنَةٍ: مَرْوِيَّةٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَالْحَسَنِ وَابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي السِّمَالِ وَابْنِ أَبِي عَيْلَةَ وَنَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ.
وَالْأَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ، أَنَّ كَسْرَ الدَّالِّ سَبَبُهُ التَّخْفِيفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَهُوَ حَرْفُ هِجَاءٍ لَا فِعْلُ أَمْرٍ مَنْ صَادَى.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّهُ قَرَأَ ص بِكَسْرِ الدَّالِّ مَعَ التَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَهُوَ كَمَا تَرَى، فَسُقُوطُهُ ظَاهِرٌ.
وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ص بِفَتْحِ الدَّالِّ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ، فَهِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ وَالتَّفَاسِيرُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَيْهَا سَاقِطَةٌ.
كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: صَادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ النَّاسِ وَاسْتَمَالَهُمْ حَتَّى آمَنُوا بِهِ.
وَقَوْلِ مَنْ قَالَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ.
أَيِ الْزَمُوا صَادَ، أَيْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَقَوْلِ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ اتْلُ، وَقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، الَّذِي هُوَ حَرْفُ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفُ.
وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ، أَنَّ الدَّالَّ فُتِحَتْ تَخْفِيفًا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَاخْتِيرَ فِيهَا الْفَتْحُ إِتْبَاعًا لِلصَّادِّ، وَلِأَنَّ الْفَتْحَ أَخَفُّ الْحَرَكَاتِ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ الْمَذْكُورَةُ قِرَاءَةُ عِيسَى بْنِ عُمَرَ، وَتُرْوَى عَنْ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو.
وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ صَادُ بِضَمِّ الدَّالِّ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلَى أَنَّهُ عَلَمٌ لِلسُّورَةِ، وَأَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ هَذِهِ صَادُ وَأَنَّهُ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ؛ لِأَنَّ السُّورَةَ مُؤَنَّثَةٌ لَفْظًا.
وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ وَابْنِ السَّمَيْقَعِ وَهَارُونَ الْأَعْوَرِ.
وَمَنْ قَرَأَ صَادَ بِفَتْحِ الدَّالِّ قَرَأَ: ق، وَن كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَرَأَهَا ص بِضَمِّ الدَّالِّ فَإِنَّهُ قَرَأَ ق: وَن بِضَمِّ الْفَاءِ وَالنُّونِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ، وَجَمِيعَ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَيْهَا، كُلُّهَا سَاقِطَةٌ، لَا مُعَوَّلَ عَلَيْهَا.
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا لِأَجْلِ التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّحْقِيقَ هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ ص مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ الَّتِي لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهَا هِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ ص مِفْتَاحُ بَعْضِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّبُورِ وَالصَّمَدِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّا قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَصْلَ الْقُرْآنِ مَصْدَرٌ، زِيدَ فِيهِ الْأَلِفُ وَالنُّونُ. كَمَا زِيدَتَا فِي الطُّغْيَانِ، وَالرُّجْحَانِ، وَالْكُفْرَانِ، وَالْخُسْرَانِ، وَأَنَّ هَذَا الْمَصْدَرَ أُرِيدَ بِهِ الْوَصْفُ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الْوَصْفَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَصْدَرِ هُوَ اسْمُ الْمَفْعُولِ.
وَعَلَيْهِ فَالْقُرْآنُ بِمَعْنَى الْمَقْرُوءِ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: قَرَأْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَظْهَرْتُهُ وَأَبْرَزْتُهُ، وَمِنْهُ قَرَأَتِ النَّاقَةُ السَّلَا وَالْجَنِينَ إِذَا أَظْهَرَتْهُ وَأَبْرَزَتْهُ مِنْ بَطْنِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ فِي مُعَلَّقَتِهِ:
تُرِيكَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى خَلَاءٍ وَقَدْ ** أَمِنَتْ عُيُونُ الْكَاشِحِينَا

ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ ** هَجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا

عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْبَيْتِ.
وَمَعْنَى الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْمَقْرُوءُ الَّذِي يُظْهِرُهُ الْقَارِئُ، وَيُبْرِزُهُ مِنْ فِيهِ، بِعِبَارَاتِهِ الْوَاضِحَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الْوَصْفَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَصْدَرِ، هُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ.
وَعَلَيْهِ فَالْقُرْآنُ بِمَعْنَى الْقَارِئِ، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ قَرَأْتُ، بِمَعْنَى جَمَعْتُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: قَرَأْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْتُهُ فِيهِ.
وَعَلَى هَذَا فَالْقُرْآنُ بِمَعْنَى الْقَارِئِ أَيِ الْجَامِعِ لِأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ فِيهِ جَمِيعَ مَا فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ذِي الذِّكْرِ فِيهِ وَجْهَانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفَانِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الذِّكْرَ بِمَعْنَى الشَّرَفِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ فُلَانٌ مَذْكُورٌ يَعْنُونَ لَهُ ذِكْرٌ أَيْ شَرَفٌ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [43/ 44] أَيْ شَرَفٌ لَكُمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الذِّكْرَ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى التَّذْكِيرِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالْمَوَاعِظُ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
تَنْبِيهٌ:
اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ الشَّيْءِ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ، وَالَّذِينَ قَالُوا إِنَّهُ مَذْكُورٌ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهِ، وَأَقْوَالُهُمْ فِي ذَلِكَ كُلُّهَا ظَاهِرَةُ السُّقُوطِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: {إِنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} [38/ 64].
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ قَوْلُهُ: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} [38/ 54].
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} [38/ 14] كَقَوْلِهِ: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. وَقَوْلِهِ: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [86/ 1- 4].
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ قَوْلُهُ: كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: إِنِ الْأَصْلَ لَكَمْ أَهْلَكْنَا وَلَمَّا طَالَ الْكَلَامُ، حُذِفَتْ لَامُ الْقَسَمِ، فَقَالَ: كَمْ أَهْلَكْنَا بِدُونِ لَامٍ.
قَالُوا: وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [91/ 1] لَمَّا طَالَ الْكَلَامُ بَيْنَ الْقَسَمِ وَالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، الَّذِي هُوَ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، حُذِفَتْ مِنْهُ لَامُ الْقَسَمِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ هُوَ قَوْلُهُ: ص قَالُوا مَعْنَى ص صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْقُرْآنِ ذِي الذَّكَرِ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ هُوَ صِدْقُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْمَعْنَى: هَذِهِ ص أَيِ السُّورَةِ الَّتِي أَعْجَزَتِ الْعَرَبَ، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي لَا يَخْفَى سُقُوطُهَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِ، فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ، التَّقْدِيرُ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. إِنَّهُ لِمُعْجِزٌ، وَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ فَقَالَ: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ مَا الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُهُ الْكُفَّارُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ صَوَابُهُ بِدَلِيلِ اسْتِقْرَاءِ الْقُرْآنِ: أَنَّ جَوَابَ الْقَسَمِ مَحْذُوفٌ وَأَنَّ تَقْدِيرَهُ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ مَا الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُهُ الْكُفَّارُ، وَأَنَّ قَوْلَهُمُ: الْمُقْسَمُ عَلَى نَفْيِهِ شَامِلٌ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مُتَلَازِمَةٍ.
الْأَوَّلِ: مِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ حَقًّا وَأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ الْكُفَّارُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُمْ: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا} [13/ 43].
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِلَهَ الْمَعْبُودَ جَلَّ وَعَلَا وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُهُ الْكُفَّارُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُمْ: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [38/ 5].
وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَبْعَثُ مَنْ يَمُوتُ، وَأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُهُ الْكُفَّارُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُمْ: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} [16/ 38] وَقَوْلِهِ: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [64/ 7] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ} [34/ 3].
أَمَّا الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [38/ 2]؛ لِأَنَّ الْإِضْرَابَ بِقَوْلِهِ بَلْ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى الْمَقْسَمِ عَلَيْهِ الْمَحْذُوفِ. أَيْ مَا الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ، أَيْ فِي حَمِيَّةٍ وَأَنَفَةٍ وَاسْتِكْبَارٍ عَنِ الْحَقِّ، وَشِقَاقٍ، أَيْ مُخَالَفَةٍ وَمُعَانَدَةٍ.
وَأَمَّا دَلَالَةُ اسْتِقْرَاءِ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ الْمَحْذُوفَ شَامِلٌ لِلْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَلِدَلَالَةِ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ: أَمَّا صِحَّةُ رِسَالَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَوْنُ الْإِلَهِ الْمَعْبُودِ وَاحِدًا لَا شَرِيكَ لَهُ فَقَدْ أَشَارَ لَهُمَا هُنَا.
أَمَّا كَوْنُ الرَّسُولِ مُرْسَلًا حَقًّا فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [38/ 4] يَعْنِي أَيْ: لَا وَجْهَ لِلْعَجَبِ الْمَذْكُورِ. لِأَنْ يَجِيءَ الْمُنْذِرُ الْكَائِنُ مِنْهُمْ.
لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ بِإِرْسَالٍ مِنَ اللَّهِ حَقًّا.
وَقَوْلُهُمْ: هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ إِنَّمَا ذَكَرَهُ تَعَالَى إِنْكَارًا عَلَيْهِمْ وَتَكْذِيبًا لَهُمْ. فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ فِي ضِمْنِ الْمَعْنَى وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أَنَّكَ مُرْسَلٌ حَقًّا وَلَوْ عَجِبُوا مِنْ مَجِيئِكَ مُنْذِرًا لَهُمْ، وَزَعَمُوا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَيْ فَهُمُ الَّذِينَ عَجِبُوا مِنَ الْحَقِّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ خَاتَمَ الرُّسُلِ، وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ، سَاحِرٌ كَذَّابٌ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْإِلَهِ الْمَعْبُودِ وَاحِدًا لَا شَرِيكَ لَهُ، فَفِي قَوْلِهِ هُنَا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [38/ 5]؛ لِأَنَّ الْهُمَزَةَ فِي قَوْلِهِ: أَجَعَلَ لِلْإِنْكَارِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَعْنَى النَّفْيِ، فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ سَبَبِ تَعَجُّبِهِمْ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْإِلَهَ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ.
وَهَذَانَ الْأَمْرَانِ قَدْ دَلَّتْ آيَاتٌ أُخَرُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ فِيهَا وَإِثْبَاتِهَا بِالْقَسَمِ صَرِيحًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى مُقْسِمًا عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ مُرْسَلٌ حَقًّا: {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [36/ 1- 3] فَهِيَ تُوَضِّحُ مَعْنَى ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ إِنَّكَ لِمَنِ الْمُرْسَلِينَ.
وَقَدْ جَاءَ تَأْكِيدُ صِحَّةِ تِلْكَ الرِّسَالَةِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [2/ 252]، وَأَمَّا كَوْنُهُ تَعَالَى هُوَ الْمَعْبُودُ الْحَقُّ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَقَدْ أَقْسَمَ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} [37/ 1- 4] وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى تَضْمَّنَ مَا ذُكِرَ أَيْ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ} الْآيَةَ [38/ 5].
وَأَمَّا كَوْنُ الْبَعْثِ حَقًّا، فَقَدْ أَقْسَمَ عَلَيْهِ إِقْسَامًا صَحِيحًا صَرِيحًا، فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [64/ 7]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [64/ 3] أَيِ السَّاعَةُ. وَقَوْلِهِ: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [10/ 53]
وَأَقْسَمَ عَلَى اثْنَيْنِ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَحَذَفَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الِاثْنَانِ الْمَذْكُورَانِ، وَهِيَ كَوْنُ الرَّسُولِ مُرْسَلًا، وَالْبَعْثِ حَقًّا، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ إِشَارَةً وَاضِحَةً، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [50/ 1- 3] فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، إِنَّ الْمُنْذِرَ الْكَائِنَ مِنْكُمُ الَّذِي عَجِبْتُمْ مِنْ مَجِيئِهِ لَكُمْ مُنْذِرًا رَسُولٌ مُنْذِرٌ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ حَقًّا، وَإِنَّ الْبَعْثَ الَّذِي أَنْكَرْتُمُوهُ وَاسْتَبْعَدْتُمُوهُ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَالِاسْتِبْعَادِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْكُمْ: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ أَيْ: ذَلِكَ الرَّجْعُ الَّذِي هُوَ الْبَعْثُ رَجْعٌ بَعِيدٌ فِي زَعْمِكُمْ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَإِنَّهُ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} إِذِ الْمَعْنَى: أَنَّ مَا أَكَلَتْهُ الْأَرْضُ مِنْ لُحُومِهِمْ، وَمَزَّقَتْهُ مِنْ أَجْسَامِهِمْ وَعِظَامِهِمْ، يَعْلَمُهُ جَلَّ وَعَلَا، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى رَدِّهِ كَمَا كَانَ.
وَإِحْيَاءُ تِلْكَ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ، وَالشُّعُورِ الْمُتَمَزِّقَةِ، وَالْعِظَامِ النَّخِرَةِ كَمَا قَدَّمْنَا مُوَضَّحًا بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، فِي سُورَةِ يس فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} [36/ 51] وَكَوْنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ حَقًّا، يَسْتَلْزِمُ اسْتِلْزَامًا لَا شَكَّ فِيهِ، أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ وَلَا شِعْرٍ وَلَا كَهَانَةٍ وَلَا أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ.
وَلِذَلِكَ أَقْسَمَ تَعَالَى، فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ أَيْضًا مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ الدُّخَانِ: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [44/ 1- 3]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [43/ 1- 4].